اسماعيل بن محمد القونوي
325
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بتلك الصفات المذكورة في الآية المتقدمة ) الأولى السكوت عن هذا البيان لأنه على تقدير العطف يدل على أن ما لهم مساو لما للمتقين فيحصل الاضطراب لأولي الألباب . قوله : ( وكفاك فارقا بين القبيلتين أنه فصل آياتهم بأن بين أنهم محسنون مستوجبون محبة اللّه وذلك لأنهم حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصيص بمكارمه وفصل آية هؤلاء بقوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ [ آل عمران : 136 ] ) فصل بالتخفيف أي أتى بفاصلتها وآخرها . قوله : ( لأن المتدارك لتقصيره ) علة لمقدر وإنما عبر بالعامل لأنه كالعامل وإن كان متداركا حقيقة فالعامل مستعار . قوله : ( كالعامل ) إشارة إليه . قوله : ( لتحصيل بعض ما فوت على نفسه ) بيان وجه الشبه وكونه صلة للعامل خلاف الظاهر بل لا استقامة له . قوله : ( وكم بين المحسن والمتدارك ) توضيح لقوله وكفاك فارقا الخ . قوله : ( والمحبوب ) أي المحسن لقوله تعالى : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ آل عمران : 134 ] . قوله : ( والأجير ) أي المتدارك تقصيره بالتوبة لقوله تعالى : وَنِعْمَ أَجْرُ [ آل عمران : 136 ] خبر الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً [ آل عمران : 135 ] الآية يدل على أن ما للذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم من الأجر أدون وأحط قدرا مما منح المتقون الموصوفون بالصفات المذكورة معنى الأدونية حينئذ مستفاد من حمل تنكير جنات على التقليل أو التحقير فإن الجنة التي هي جزاء من استغفر بعدما ارتكب الفعل القبيح لا تساوي قدرها قدر جزاء من لا يفعل قبيحا قط كما قيل بلسان العجم وزرا كر عفو با شد جان برد كي وزير وخازن مخزن شود ولذا قال المص بعيد هذا وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير وإنما قال على الأول لأن تنكير جنات على الوجه الثاني وهو أن يكون وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً [ آل عمران : 135 ] عطفا على المتقين أو على صفتهم أعني الذين ينفقون يكون للتعظيم لأنها حينئذ تكون عبارة عن جنة معدة للمتقين وهي جنة عرضها السماوات والأرض فإن أولئك على الثاني إشارة إلى المتقين والمعد لهم تلك الجنة بخلاف الوجه الأول فإن أولئك على هذا الوجه إشارة إلى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [ آل عمران : 135 ] وجناتهم غير تلك الجنة ذاتا وصفة . قوله : وكفاك فارقا بين القبيلتين أي كفاك في الفرق بين القبيلتين وهما المتقون الذين أتوا بالواجبات بأسرها واجتنبوا عن المعاصي برمتها والمستغفرون لذنوبهم بعد ما أذنبوا وارتكبوا الفواحش والظلم أنه فصل آيتهم أي جعل فاصلة آية المتقين قوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ آل عمران : 134 ] وجعل فاصلة آية المستغفرين لذنوبهم قوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ [ آل عمران : 136 ] على أن المحسنين والعاملين مظهر موضوع موضع المضمر يعني يعلم الفرق بين مرتبتي كل من القبيلتين من معنى فاصلة ذكرت في آخر آيتهم فإن فاصلة آية المتقين أفادت أن المتقين محسنون ومحبوبون عند اللّه تعالى وفاصلة آية القبيل الآخر أعطت أن هؤلاء إجراء وأن ما أعطوا من الأجر جزاء لتداركهم بعض ما فوتوه على أنفسهم وأين هذا من ذاك .